أبو علي سينا
139
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الغذاء هضماً تاماً فيكثر البلغم ، لكن هذه الرطوبة لا تنفع في المزاج الغريزي ولا تكون غريزية ، كما أن تلك الحرارة لم تكن غريزية بل كل استفراغ مفرط يتبعه برد ويبس في جوهر الأعضاء وغريزتها وإن لحق بعضها حرارة غريبة ورطوبة غير صالحة . وقد يتبع الاستفراغ المفرط من الأمراض لأولي السدة أيضاً لفرط يبس العروق وانسدادها ، ويتبعه التشنج والكزاز وأما الاحتباس والاستفراغ المعتدلان المصادفان لوقت الحاجة إليها ، فهما نافعان حافظان للحالة الصحية فقد تكلمنا في الأسباب الضرورية بجنسيتها ، وإن كانت قد لا يكون أكثر أنواعها ضرورية فلنأخذ في الأسباب الأخرى . الفصل الثامن عشر أسباب تتفق للبدن غير ضرورية ولا ضارة . ولتتكلم الآن في الأسباب الغير الضرورية ولا الضارة وهي التي ليست بجنسيتها في الطبع ولا هي مضادة للطبع ، وهذه هي الأشياء الملاقية للبدن غير الهواء ، فإنه ضروري بل مثل الاستحمامات وأنواع الدلك وغيرها ، ولنبدأ بقول كلي في هذه الأسباب فنقول : إن الأشياء الفاعلة في بدن الإنسان من خارج بالملاقاة تفعل فيه على وجهين : فإنها تفعل فيه إما بنفوذ ما لطف منها في المسام لقوة فيها غواصة نافذة ، أو لجذب الأعضاء إياها من مسامها ، أو بتعاون من الأمرين . وإما أن تفعل لا بمخالطة البتة ، بل بكيفية صرفه محيلة للبدن وذلك إما لأن هذه الكيفية بالفعل كالطلاء المبرد بالفعل فيبرد ، أو الطلاء المسخن بالفعل فيسخن ، أو الكماد المسخن بالفعل فيسخن وإما لأن لها هذه الكيفية بالقوة ، لكن الحار الغريزي منها يهيج فيها قوة فعالة ويخرجها إلى الفعل . وإما بالخاصية . ومن الأشياء ما يغير بالملاقاة ولا يغير بالتناول مثل البصل ، فإنه إذا ضمد به من خارج قرح ولا يقرح من داخل ، ومن الأشياء ما هو بالعكس مثل الاسفيداج فإنه إن شرب غير تغييراً عظيماً ، وإن طلي لم يفعل من ذلك شيئاً . ومنها ما يفعل من الوجهين جميعاً والسبب في القسم الأول أحد أسباب ستة : أحدها : أن مثل البصل إذا ورد على داخل البدن بادرت القوة الهاضمة فكسرته وغيرت مزاجه فلم تتركه بسلامته مدة في مثلها يمكنه أن يفعل فعله ويقرح في الباطن . والثاني : أنه في أكثر الأمر يتناول مخلوطاً بغيره . والثالث : أنه يختلط أيضاً في أوعية الغذاء برطوبات تغمره وتكسر قوته . والرابع : أنه إنما يلزم من خارج موضعاً واحداً ، وأما من داخل فلا يزال ينتقل . والخامس : أنه إما من خارج فيلتصق إلصاقاً موثقاً ، وأما من داخل فإنما يماس مماسة غير ملتصقة . والسادس : أنه إذا حصل في الباطن تولت تدبيره القوة الطبيعية ، فلم يلبث الفضل منه أن يندفع والجيد أن يستحيل دماً وأما ما يختلف من حال الاسفيداج فالسبب فيه أنه غليظ الأجزاء ،